الكاتب الكبيرابراهيم مراد يكتب في/اقتصاد الدين في أسواق السياسة

المتابعين الافاضل اينما كنتم حول العالم عبرصفحات الجمهوريه,,

السيدات والساده:

حين يتراجع العقل النقدي وتغيب قواعد المساءلة الحقيقية في المجتمعات التي تعاني من هزات بنيوية عميقة، يصبح المجال مهيأ تمامًا لظاهرة خطيرة لا تقل فتكًا عن الأزمات المادية المباشرة، وهي ظاهرة “اقتصاد الوهم” القائمة على الاستثمار المنهجي والمكشوف للدين في أسواق السياسة والمجتمع. إن هذا الاستغلال الواسع للمشاعر الدينية ليس مجرد انحراف فردي عابر، بل هو هندسة تنظيمية وتجارية متكاملة الأركان تُدار باحترافية عالية لتحقيق مكاسب سلطوية ضيقة ومصالح فئوية عابرة، مسخرةً أقدس رموز الأمة وأعظم قيمها الروحية لتكون وقودًا لصراعات النفوذ والسيطرة، ومستبدلةً الغايات الكبرى للدين بأغراض دنيوية بحتة لا علاقة لها بالإصلاح أو الهداية الحقيقية.

وترتكز هذه التجارة السياسية بالدين على استغلال الفطرة الإنسانية السليمة التي تميل بطبعها نحو التدين والبحث عن المطلق، حيث يتعمد مروجو الأوهام وقادة التيارات الأصولية اللعب على وتر العاطفة الدينية البريئة وتجييشها لصالح مشاريعهم الحزبية. وحين يتدخل تاجر السياسة لتوجيه هذه العاطفة، فإنه لا يقدم فكرًا رصينًا أو حلولًا واقعية لمشكلات المجتمع الاقتصادية والتنموية، بل يغرق السوق بشعارات فارغة وبضائع مزجاة من الأوهام الممنمقة، محولًا المفاهيم الدينية الكبرى من مساحاتها الروحية والأخلاقية السامية إلى أدوات فظة لطرد العقل، وتعطيل التفكير، وجذب القطيع نحو خنادق الطاعة العمياء.

وتبدأ أولى خطوات هذا الاستثمار المشبوه والخطير عبر عملية “تسليع المقدس” وتجريده من روحه المتعالية، حيث يُعاد تسعير الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والمواقف التاريخية لتقتحم عنوة مزادات الصراع السياسي والانتخابي اليومي. لم يعد النص الديني في ظل هذا العبث محطة للتدبر الفكري أو التشريع الأخلاقي الإنساني، بل صار يافطة انتخابية صارخة أو شعارًا تعبويًا حارقًا يُشهر في وجه الخصوم السياسية والفكريين، بهدف تخوينهم وإقصائهم خارج أسوار الوطنية والدين معًا، في عملية ابتزاز معنوي مزدوجة تضمن للمتاجرين بالدين الانفراد بالساحة وتصفية كل صوت حر يعارض توجهاتهم الاستبدادية.

وفي قلب هذا البناء المأزوم لاقتصاد الوهم، يبرز بوضوح التوظيف المتهور والمدمر لمفهوم “الحاكمية” أو الاستدعاء الانتقائي والمغرض للأمجاد التاريخية المزيفة، لا لشيء سوى إيهام الجماهير البسيطة بأن الصراع الدائر ليس صراعًا بشريًا على الكرسي والسلطة والنفوذ، بل هو حرب مقدسة ووجودية بين فسطاط الإيمان المطلق وفسطاط الكفر البواح. هذا الخداع البصري والمعرفي الممنهج يضمن للمتاجرين بالدين بناء حاضنة شعبية عمياء مستعدة للقتال دونه والدفاع عنه بلا حدود، دون أن تدرك تلك الحاضنة المخدوعة أنها في نهاية المطاف مجرد أدوات رخيصة ووقود مستهلك في معركة سياسية بحتة تخدم مصالح قادة التنظيم وأجنداتهم الخفية.

وعلاوة على الأبعاد السياسية السافرة، فإن توظيف الدين اجتماعيًّا يتم عبر شبكات معقدة وواسعة من “الرعاية الزائفة” واستغلال الاحتياجات المعيشية الملحة للمهمشين والفقراء في المجتمعات المتأزمة. فالجماعات والتيارات التي تقتات على اقتصاد الوهم حريصة أشد الحرص على غرس جذورها وتوسيع قواعدها في أوساط الطبقات الكادحة، لا لترفع عنهم غوائل الفقر أو توفر لهم حلولًا تنموية مستدامة تحرز كرامتهم الإنسانية، بل لتبادلهم الدعم المادي المحدود بالولاء السياسي المطلق، مستغلة عوزهم لتمرير أجنداتها السلطوية تحت ستار العمل الخيري والإحسان الظاهري الذي يخفي خلفه أبشع صور الاستغلال السياسي للبشر.

ومن أخطر آليات هذا الاستثمار المقيت هو “صناعة الشرعية المزيفة” وإضفاء هالة من التقديس العصي على النقد على كل برامج الجماعات الحركية ومواقفها السياسية المتحلبة. فحين تصبح الأجندة الحزبية أو الرؤية التنظيمية جزءًا لا يتجزأ من الدين ذاته في وجدان الأتباع، فإن أي نقد موضوعي موجه لتلك البرامج يُعتبر تلقائيًا طعنًا في أصل العقيدة ومروقًا عن الدين، وبذلك تُغلق الأبواب نهائيًا أمام المساءلة والمحاسبة الديمقراطية، وتتحول الجماعة أو الحزب إلى كيان معصوم فوق البشر، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، في تأليه مقيت للشخصيات والتنظيمات على حساب ثوابت العقل والدين الصحيح.

ولا يتوقف هذا العبث عند حدود السياسة الداخلية للدول، بل يمتد بضراه إلى “الابتزاز القيمي” للمجتمع بأسره، حيث يُفرز اقتصاد الوهم ثقافة هشة قائمة على المظاهر الدينية الشكلية والشكليات الاستعراضية على حساب الجوهر الأخلاقي والإنساني العميق للدين. تُختزل فضائل الأمة ودينها الحنيف في قشور لفظية وشعارات جوفاء ترفع في المناسبات، بينما تُنتهك أبسط حقوق الإنسان، وتُقمع الحريات، وتُهدر كرامة المواطن تحت ذات الرايات المقدسة، في مفارقة أخلاقية صارخة تعكس حجم التدهور الهائل الذي يصيب الوعي الجمعي ويجعله عاجزًا عن إدراك التناقض بين الشعار والممارسة.

وهذه السوق الرائجة للدين سياسيًا واجتماعيًا غالبًا ما تنتعش وتزدهر في أوقات الأزمات الكبرى والانهيارات الاقتصادية والاجتماعية؛ فعندما تشتد الضغوط المعيشية ويقف الإنسان البسيط عاجزًا ومحبطًا أمام واقعه المرير، يظهر مروجو الأوهام وتجار الدين ليعوضوا هذا العجز بوعود أخروية براقة أو مكاسب وهمية مؤجلة، موجهين طاقات الغضب الشعبي نحو معارك وهمية واختلاق أعداء وهميين تصرف الأنظار تمامًا عن الفشل الإداري والسياسي الذريع لأصحاب المصالح الحقيقية، ومستخدمين الدين كمسكن مخدر يبقي الشعوب في غيبوبتها المعرفية والسياسية.

إن تفكيك اقتصاد الوهم وإسقاط منارته المزيفة يتطلب شجاعة نقدية هائلة لا تعرف الهوادة لكشف زيف هؤلاء المتاجرين بالمقدسات، وإعادة الاعتبار لدين الله السمح الذي تنزه عن هذه الأغراض الدنيوية الدنيئة. لا يمكن لمجتمع أن ينهض من كبوته التاريخية ويقف على قدميه طالما بقيت مقدساته مستباحة في أسواق النخاسة السياسية، وطالما ظلت العقول مغيبة خلف يافطات الاستغلال العاطفي والديني المقيت، وهو ما يفرض معركة فكرية وثقافية شاملة لا تقتصر على المعالجات الأمنية السطحية بل تمتد إلى جذور الفكر الأصولي المستبد.

إن المعركة الضارية ضد توظيف الدين سياسيًا واجتماعيًا هي في حقيقتها معركة إنقاذ للدين نفسه أولًا وقبل كل شيء، قبل أن تكون معركة لإنقاذ المجتمع والإنسان؛ فصيانة الدين وقطع الطريق على تجاره تقتضي بالضرورة طرد الخراصة وأصحاب الأجندات من حظيرة الشأن العام، وإرساء القواعد الصلبة لدولة القانون والمواطنة المتساوية التي تتسع لكل أبنائها بغض النظر عن انتماءاتهم أو قناعاتهم، ودون احتكار باطل للحق الإلهي أو وصاية بشرية باسم السماء على عقول الناس وأرزاقهم.

وحين ندرك تمام الإدراك أن الدين أعظم وأكبر بكثير من أن يُختزل في شعارات حزبية ضيقة أو مكاسب سلطوية عابرة، نكون قد وضعنا المشرط الجراحي بحرفية على الداء العضال الذي أثقل كاهل الأمة طويلًا وعطل مسيرتها الحضارية. إن تحرير الفضاء العام من آسر اقتصاد الوهم وتجار الدين هو الشرط الإلزامي والمسبق لأي نهضة حقيقية تستعيد فيها الأقطار العربية عافيتها وعقلها وكرامتها الإنسانية، وتضع أقدامها بثبات على طريق الحداثة والتطور والعدالة الاجتماعية.

وختامًا، فإن “مساراتنا” الفكرية والنقدية لا تهدف إلا لقرع ناقوس الخطر والتبشير بوعي جديد يرفض الاستغلال الرخيص للمقدسات؛ فعندما يدرك المواطن آليات هذا الخداع الممنهج، يسقط اقتصاد الوهم حتمًا وتتفتت خنادق الأصوليات السياسية المأزومة، ليشرق صبح عقلاني جديد يؤمن بأن الدين لله، والوطن للجميع، والسياسة فن رفيع لخدمة الإنسان وتوفير أسباب سعادته وتقدمه لا لابتزازه وتدجين وعيه باسم السماء.

بقلمي//رئيس التحرير….

Related posts

Leave a Comment